أبي طالب المكي
96
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
منهم ، فيسلبونه حقيقة ذلك عقوبة لهم ، وقد يكون عند الدعوى للمحبة ووصف النفس لحقيقتها ، وينقصون معه ولا يقنطون لذلك وهو لطيف من المكر الخفي ، ثم خوف الفوت الذي لا درك له . سمع إبراهيم بن أدهم وهو أحد المحبين قائلا يقول في سياحته نظما : كل شيء لك مغفور * سوى الإعراض عني قد وهبنا منك ما فات * بقي ما فات مني فاضطرب وغشي عليه فلم يفق يوما وليلة . وهذا في قصة طويلة كانت له بعد مقامات أقيم نقل عنها إلى هذا المكان . حتى قال في آخر ذلك : فسمعت النداء من الجب : يا إبراهيم كن عبدا قال : فكنت عبدا ، فاسترحت ، معناه لا يملكك إلا واحد تكون عبدا له حرّا مما سواه ، ولا تملك شيئا فإنّ الأشياء في خزانة مليكها فلا تتملكها فتحجبك عن مالك ، وتأسرك بمقدار ما ملكتها . وقد ضرب الله مثلا بينه وبين خلقه أنّ رجلين أحدهما فيه شركاء متشاكسون عليه من أهل ومال وشهوات ، وآخر مسالما خالصا لواحد . إنهما لا يستويان في قوله تعالى : * ( ضَرَبَ الله مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) * [ الزمر : 29 ] ، أي الأكثر ليسوا علماء . هكذا الواحد وأشد من الفوت خوف السلو وهذا أخوف ما يخافون ، لأن حبّا له كان به لا بهم وهو نعمة عظيمة لا يعرف قدرها ، فكيف يشكره عليها ولا يقوم لها شيء ؟ فكذلك سلوهم عنه يكون به كما حبهم له به ، فيدخل عليهم السلو عنه من حيث لا يشعرون ، من مكان ما دخل عليهم الحبّ له من حيث لا يعلمون ، فتجد السلو به كما وجدت الحبّ له . فتكون به قد سلوت عنه وأنت لا تدري كيف سلوت ، لأنه يدرجك في ذلك إدراجا بلطائف الحكمة . كما أنك أحببته وأنت لا تدري لأنه أشهدك وصفه باطلاع القدرة عن جنان الرحمة ، فوجدت نفسك محبّا له . كذلك ترجع المحبة كما جاءت تعجبك عنه عن وصف المكر والجبرية ، فتجد قلبك ساليا عنه بلا حول منه ولا قوّة ولا اجتلاب ولا حيلة ، وهذا لا يصفه إلا عارف بدقيق بلائه ، ولا يحذره إلا خائف من خفي مكره وابتلائه فإذا سلوت عنه به كان ذلك دليلا منه أنه قد رفضك وأطرحك كما أنت إذا كنت تحبه إنما أحببته به ، وهذا هو تحقيق المكر السريع بسرعة تقليب القدرة لقلوب الذي تحقق بالمكور ، وهو درك الشقاء الذي أدرك المغرور بما لا يدركه الطرف لسرعته ، ولا يحول في الوهم لخفيته ، كقوله تعالى : * ( إِذا لَهُمْ مَكْرٌ في آياتِنا ) * [ يونس : 21 ] ، أي معصية بالنعم . * ( قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْراً ) * أي أخفى تقليبا قد أظهر لهم نعما أحبوها ، وكانت